محمد جمال الدين القاسمي
78
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
والوسائط ، لئلا يحصل اليأس عند فقدان تلك الأسباب ، والكفران والبطر والأشر عند وجودها ، فيبعد بها عن اللّه تعالى ، وينساه فينساه اللّه . بل يرى الإعطاء والمنع منه دون غيره . فإن أتاه رحمة من صحة أو نعمة ، شكره أولا برؤية ذلك منه . وشهود المنعم في صورة النعمة ، وذلك بالقلب ، ثم بالجوارح باستعمالها في مراضيه وطاعته ، والقيام بحقوقه تعالى فيها ، ثم باللسان بالحمد والثناء متيقنا بأنه القادر على سلبها ، محافظا عليها بشكرها ، مستزيدا إياها ، اعتمادا على قوله تعالى : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . قال أمير المؤمنين عليه السلام : إذا وصلت إليكم أطراف النعم ، فلا تنفّروا أقصاها بقلة الشكر . ثمّ إن نزعها منه ، فليصبر ولا يتأسف عليها ، عالما بأنه هو الذي نزع دون غيره ، لمصلحة تعود إليه ، فإن الرب تعالى كالوالد المشفق في تربيته إياه ، بل أرأف وأرحم ، فإن الوالد محجوب عما يعلمه تعالى ، إذ لا يرى إلا عاجل مصالحه وظاهرها ، وهو العالم بالغيب والشهادة ، فيعلم ما فيه صلاحه عاجلا وآجلا ، راضيا بفعله ، راجيا إعادة أحسن ما نزع منها إليه ، إذ القانط من رحمته بعيد منه ، لا يستوسع رحمته لضيق وعائه ، محجوب عن ربوبيته ، لا يرى عموم فيض رحمته ودوامه . ثم إذا أعادها لم يفرح بوجودها ، كما لم يحزن بفقدانها ، ولا يفخر بها على الناس ، فإن ذلك من الجهل ، وظهور النفس ، وإلا لعلم أن ذلك ليس منه وله ، وبأي سبب يسوغ له فخر بما ليس له ومنه ؟ بل للّه ومن اللّه . وقوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا استثناء من ( الإنسان ) أي هذا النوع يؤوس كفور ، فرح فخور ، في الحالين ، إلا الذين صبروا مع اللّه واقفين معه ، في حالة الضراء والنعماء والشدة والرخاء ، كما قال عمر رضي اللّه عنه : الفقر والغنى مطيتان ، لا أبالي أيهما أمتطي . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : آية 12 ] فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 12 ) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أي بتلاوته عليهم ، وتبليغه إليهم ، أَنْ يَقُولُوا أي مخافة أن يقولوا ، تعاميا عن تلك البراهين التي لا تكاد تخفى صحتها على أحد ممن له أدنى بصيرة ، وتماديا في العناد على وجه الاقتراح